ببيّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن السلف والأئمة نهجوا منهج التفريق في التعامل مع أهل البدع بين
المبتدع الداعية وغير الداعية؛ فالداعية يُعاقَب بما يزجره عن بدعته، بخلاف الكاتم، لأن الداعية أظهر
المنكر فاستحق العقوبة، بينما الكاتم ليس شرًّا من المنافقين الذين كان النبي ﷺ يقبل علانيتهم ويكل
سرائرهم إلى الله.
كما قرر أن المنكرات الظاهرة يجب إنكارها، بخلاف المعاصي الباطنة، وأن العقوبة تكون بحسب المصلحة، وشدة
البدعة، وحال الداعي، وأن ذلك مقيد بما إذا لم يكن متأولًا، وكانت بدعته غليظة، وأدت العقوبة إلى كفه عن
بدعته وتنفير الناس منها.
📚 المرجع:
مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/205–206)
يرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن أهل الأهواء والبدع هم الذين يجعلون ما ابتدعوه قولًا أو عملًا
يُفارقون
به جماعة المسلمين، فيوالون ويعادون عليه، وينازعون به ما تواترت به السنة.
وبيّن أن من وقع في بدعة عن اجتهاد، دون أن يجعلها شعارًا يُوالي ويُعادي عليه، فهو من نوع الخطأ الذي يغفره
الله للمؤمنين، وقد وقع مثله لكثير من سلف الأمة وأئمتها، بخلاف من فرّق جماعة المسلمين، وكفّر وفسّق في
مسائل
الاجتهاد، فهؤلاء من أهل التفرق والاختلاف.
📚 (مجموع الفتاوى 7/284، 19/191، 28/205 – الاستقامة 1/279)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في مجموع الفتاوى 175/24: "رأى المسلمون أن يهجروا من ظهرت عليه
علامات الزيغ من المظهرين للبدع الداعين إليها والمظهرين للكبائر فأما من كان مستترا بمعصية أو مسرا لبدعة
غير مكفرة فان هذا لا يهجر وإنما يهجر الداعى إلى البدعة إذ الهجر نوع من العقوبة وإنما يعاقب من أظهر
المعصية قولا أو عملا وأما من أظهر لنا خيرا فإنا نقبل علانيته ونكل سريرته إلى الله تعالى فإن غايته أن
يكون بمنزلة المنافقين الذين كان النبى صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله لما جاؤوا
إليه عام تبوك يحلفون ويعتذرون ولهذا كان الإمام احمد وأكثر من قبله وبعده من الأئمة كمالك وغيره لا يقبلون
رواية الداعى إلى بدعة ولا يجالسونه بخلاف الساكت وقد أخرج أصحاب الصحيح عن جماعات ممن رمي ببدعة من
الساكتين ولم يخرجوا عن الدعاة إلى البدع ".
والهجر يجب أن يكون من أجل الدين لا من أجل الهوى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله 207/28: "اذا عرف هذا فالهجرة الشرعية هي من الاعمال التى أمر الله بها
ورسوله فالطاعة لابد أن تكون خالصه لله وأن تكون موافقة لامره فتكون خالصة لله صوابا فمن هجر لهوى نفسه أو
هجر هجرا غير مأمور به كان خارجا عن هذا وما اكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله والهجر
لأجل حظ الانسان لا يجوز اكثر من ثلاث كما جاء فى الصحيحين عن النبى انه قال ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه
فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام ( فلم يرخص فى هذا الهجر اكثر من ثلاث كما لم
يرخص فى احداد غير الزوجة اكثر من ثلاث وفى الصحيحين عنه أنه قال ( تفتح أبواب الجنة كل أثنين وخميس فيغفر
لكل عبد لايشرك بالله شيئا الا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا ( فهذا الهجر
لحق الانسان حرام وانما رخص فى بعضه كما رخص للزوج ان يهجر امرأته فى المضجع اذا نشزت وكما رخص فى هجر
الثلاث فينبغى ان يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق نفسه فالأول مأمور به و الثانى ( منهى عنه لأن
المؤمنين أخوة وقد قال النبى فى الحديث الصحيح (لاتقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد
الله أخوانا المسلم أخو المسلم ( وقال فى الحديث الذى فى السنن ( ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام
والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قالوا بلى يا رسول الله قال اصلاح ذات البين فان فساد ذات البين
هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ( وقال فى الحديث الصحيح ( مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم
وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذ اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ).
أقول للأحبة تأصيلاً عاماً: ما ذكرته مقدمات للقراءة في كتب العقائد، ولعلي أذكر كيف تستطيع أن تميز هذا
العالم وهذا الكاتب أنه من سلف الأمة أو ليس من سلف الأمة، ويكون ذلك عن طرق متعددة، وأولها: أن تبحث في
كلامه أو في كتابه في باب الأسماء والصفات، فإذا وجدته يقول: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر:٢٢] وجاء أمر ربك،
أو: {يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة:٦٤] نعمته أو قدرته، فاعلم بأنه مبتدع، وليس على منهاج أهل السنة
والجماعة.
إذاً: الأمر الأول: أن أبحث عن آيات الصفات وأنظر كلامه أو كتابته فيها، فإن أوّل صفة واحدة أقف في حذر منه،
وأعلم بأنه لم يسر على ما كان عليه سلف الأمة.
الأمر الثاني: أن أبحث عن كلامه في خبر الآحاد، فالمبتدعة يرون أن خبر الآحاد لا يحتج به في باب العقائد،
ويرون أنه ظني الدلالة، ولا يفيد العلم، ولا يؤخذ لله من النصوص الواردة في الأسماء والصفات، ولا شك أنه إذا
قال: خبر الآحاد لا يحتج به في باب العقائد، أو أنه ظني الدلالة لا يعمل به وإنما يعمل به في باب الأحكام
دون العقائد، علمت بأن هذا ليس على منهج سلف الأمة.
الأمر الثالث: كلامه في مبحث القضاء والقدر، هل هو يقول بالكسب فيكون أشعرياً، أو يقول بالجبر فيكون من
الجبرية، وأن كل هذا بقضاء الله وقدره، أو يقول: إن الإنسان خالق لفعله، فاعلم أنه معتزلي، ويصبح مبحث
القضاء والقدر من المباحث المهمة التي يتميز بها، أو يمكن تميز صاحب الكتاب وغيره.
الأمر الرابع: مسألة التحسين والتقبيح، وهي من المسائل التي تكلموا فيها في العقائد، وفي أصول الفقه، فإذا
كان يقول: إن التحسين والتقبيح عقليان فقط، فاعلم بأنه معتزلي، أو يقول: إن التقبيح والتحسين شرعيان فقط
فاعلم أنه أشعري وأنه ليس على منهاج أهل السنة والجماعة وإن قال بأنه يكون عقلياً ويكون شرعياً وفصل فيه،
علمت بأنه سلفي في ذلك الأمر.
الأمر الخامس: مبحث الإيمان: فإن قال: إن الإيمان قول فقط، أو قال: الإيمان قول واعتقاد، أو قال: الإيمان هو
المعرفة، أو قال: الإيمان ليس إلا مجرد الذي يوجد في القلب وهو الاعتقاد كقول الماتريدية، علمت أنه مبتدع،
لكن إذا قال: إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، علمت أنه على منهاج سلف الأمة وهذا هو منهجه.
وتوجد علامات غير هذه كثيرة يمكن التمييز لطالب العلم حين يقرأ في أي كتابٍ يبحث عن هذه بسهولة، ويستطيع أن
يعرف الكاتب وما قرأه.
ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.