محاور كلام العلماء في مسألة البدعة

📌أصول الحكم على المبتدعة (عند شيخ الإسلام ابن تيمية)

ببيّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن السلف والأئمة نهجوا منهج التفريق في التعامل مع أهل البدع بين المبتدع الداعية وغير الداعية؛ فالداعية يُعاقَب بما يزجره عن بدعته، بخلاف الكاتم، لأن الداعية أظهر المنكر فاستحق العقوبة، بينما الكاتم ليس شرًّا من المنافقين الذين كان النبي ﷺ يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله. كما قرر أن المنكرات الظاهرة يجب إنكارها، بخلاف المعاصي الباطنة، وأن العقوبة تكون بحسب المصلحة، وشدة البدعة، وحال الداعي، وأن ذلك مقيد بما إذا لم يكن متأولًا، وكانت بدعته غليظة، وأدت العقوبة إلى كفه عن بدعته وتنفير الناس منها.
📚 المرجع:
مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/205–206)
يرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن أهل الأهواء والبدع هم الذين يجعلون ما ابتدعوه قولًا أو عملًا يُفارقون به جماعة المسلمين، فيوالون ويعادون عليه، وينازعون به ما تواترت به السنة. وبيّن أن من وقع في بدعة عن اجتهاد، دون أن يجعلها شعارًا يُوالي ويُعادي عليه، فهو من نوع الخطأ الذي يغفره الله للمؤمنين، وقد وقع مثله لكثير من سلف الأمة وأئمتها، بخلاف من فرّق جماعة المسلمين، وكفّر وفسّق في مسائل الاجتهاد، فهؤلاء من أهل التفرق والاختلاف.
📚 (مجموع الفتاوى 7/284، 19/191، 28/205 – الاستقامة 1/279)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في مجموع الفتاوى 175/24: "رأى المسلمون أن يهجروا من ظهرت عليه علامات الزيغ من المظهرين للبدع الداعين إليها والمظهرين للكبائر فأما من كان مستترا بمعصية أو مسرا لبدعة غير مكفرة فان هذا لا يهجر وإنما يهجر الداعى إلى البدعة إذ الهجر نوع من العقوبة وإنما يعاقب من أظهر المعصية قولا أو عملا وأما من أظهر لنا خيرا فإنا نقبل علانيته ونكل سريرته إلى الله تعالى فإن غايته أن يكون بمنزلة المنافقين الذين كان النبى صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله لما جاؤوا إليه عام تبوك يحلفون ويعتذرون ولهذا كان الإمام احمد وأكثر من قبله وبعده من الأئمة كمالك وغيره لا يقبلون رواية الداعى إلى بدعة ولا يجالسونه بخلاف الساكت وقد أخرج أصحاب الصحيح عن جماعات ممن رمي ببدعة من الساكتين ولم يخرجوا عن الدعاة إلى البدع ".
والهجر يجب أن يكون من أجل الدين لا من أجل الهوى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله 207/28: "اذا عرف هذا فالهجرة الشرعية هي من الاعمال التى أمر الله بها ورسوله فالطاعة لابد أن تكون خالصه لله وأن تكون موافقة لامره فتكون خالصة لله صوابا فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرا غير مأمور به كان خارجا عن هذا وما اكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله والهجر لأجل حظ الانسان لا يجوز اكثر من ثلاث كما جاء فى الصحيحين عن النبى انه قال ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام ( فلم يرخص فى هذا الهجر اكثر من ثلاث كما لم يرخص فى احداد غير الزوجة اكثر من ثلاث وفى الصحيحين عنه أنه قال ( تفتح أبواب الجنة كل أثنين وخميس فيغفر لكل عبد لايشرك بالله شيئا الا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا ( فهذا الهجر لحق الانسان حرام وانما رخص فى بعضه كما رخص للزوج ان يهجر امرأته فى المضجع اذا نشزت وكما رخص فى هجر الثلاث فينبغى ان يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق نفسه فالأول مأمور به و الثانى ( منهى عنه لأن المؤمنين أخوة وقد قال النبى فى الحديث الصحيح (لاتقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله أخوانا المسلم أخو المسلم ( وقال فى الحديث الذى فى السنن ( ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قالوا بلى يا رسول الله قال اصلاح ذات البين فان فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ( وقال فى الحديث الصحيح ( مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذ اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ).

📌[كيفية معرفة المبتدع]

أقول للأحبة تأصيلاً عاماً: ما ذكرته مقدمات للقراءة في كتب العقائد، ولعلي أذكر كيف تستطيع أن تميز هذا العالم وهذا الكاتب أنه من سلف الأمة أو ليس من سلف الأمة، ويكون ذلك عن طرق متعددة، وأولها: أن تبحث في كلامه أو في كتابه في باب الأسماء والصفات، فإذا وجدته يقول: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر:٢٢] وجاء أمر ربك، أو: {يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة:٦٤] نعمته أو قدرته، فاعلم بأنه مبتدع، وليس على منهاج أهل السنة والجماعة. إذاً: الأمر الأول: أن أبحث عن آيات الصفات وأنظر كلامه أو كتابته فيها، فإن أوّل صفة واحدة أقف في حذر منه، وأعلم بأنه لم يسر على ما كان عليه سلف الأمة.
الأمر الثاني: أن أبحث عن كلامه في خبر الآحاد، فالمبتدعة يرون أن خبر الآحاد لا يحتج به في باب العقائد، ويرون أنه ظني الدلالة، ولا يفيد العلم، ولا يؤخذ لله من النصوص الواردة في الأسماء والصفات، ولا شك أنه إذا قال: خبر الآحاد لا يحتج به في باب العقائد، أو أنه ظني الدلالة لا يعمل به وإنما يعمل به في باب الأحكام دون العقائد، علمت بأن هذا ليس على منهج سلف الأمة.
الأمر الثالث: كلامه في مبحث القضاء والقدر، هل هو يقول بالكسب فيكون أشعرياً، أو يقول بالجبر فيكون من الجبرية، وأن كل هذا بقضاء الله وقدره، أو يقول: إن الإنسان خالق لفعله، فاعلم أنه معتزلي، ويصبح مبحث القضاء والقدر من المباحث المهمة التي يتميز بها، أو يمكن تميز صاحب الكتاب وغيره.
الأمر الرابع: مسألة التحسين والتقبيح، وهي من المسائل التي تكلموا فيها في العقائد، وفي أصول الفقه، فإذا كان يقول: إن التحسين والتقبيح عقليان فقط، فاعلم بأنه معتزلي، أو يقول: إن التقبيح والتحسين شرعيان فقط فاعلم أنه أشعري وأنه ليس على منهاج أهل السنة والجماعة وإن قال بأنه يكون عقلياً ويكون شرعياً وفصل فيه، علمت بأنه سلفي في ذلك الأمر.
الأمر الخامس: مبحث الإيمان: فإن قال: إن الإيمان قول فقط، أو قال: الإيمان قول واعتقاد، أو قال: الإيمان هو المعرفة، أو قال: الإيمان ليس إلا مجرد الذي يوجد في القلب وهو الاعتقاد كقول الماتريدية، علمت أنه مبتدع، لكن إذا قال: إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، علمت أنه على منهاج سلف الأمة وهذا هو منهجه.
وتوجد علامات غير هذه كثيرة يمكن التمييز لطالب العلم حين يقرأ في أي كتابٍ يبحث عن هذه بسهولة، ويستطيع أن يعرف الكاتب وما قرأه. ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

📌 ذم أهل البدع والأهواء والأمر بمجانبتهم


قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ: القطيعة تثبت عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟
قالَ: هو ثبت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قالَ إسحاق: شديدًا.
"مسائل الكوسج" (٣٤٨٤)

قال ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه عن: رجل مبتدع، داعية يدعو إلى بدعة، أيجالس؟
قال: لا يجالس، ولا يكلم، لعله أن يرجع.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٥٥)

قال الخلال: أخبرني عبيد اللَّه بن حنبل قال: ثنا أبي حنبل بن إسحاق قال: حدثني أبو عبد اللَّه قال: ثنا أبو سلمة. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَة، قال: ثنا ابن عُلَيَّة، عن أيوب، عن أبي قِلابَة قال: لا تجالسوا أهل الأهواء -أو قال: أهل الخصومات- فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون (١).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٨٨ (١٩٦٨)

قال أبو بكر المروذي: بلغ أبو عبد اللَّه مجيء رجل مبتدع، فأنكر عليه حضوره وجفاه، وقال: حتى يظهر منه توبة وندم

حبس أهل البدع

قال عبد اللَّه: سألت أبي عن رجل ابتدع بدعة يدعو إليها، وله دعاة عليها، هل ترئ أن يحبس؟

قال: نعم. أرى أن يحبس وتكف بدعته عن المسلمين.

"مسائل عبد اللَّه" (١٥٩٠)

📌موقف الإمام مالك من المبتدعة

كان الإمام مالك رحمه الله يرى أنّه لا يحق للمسلم أن يٌسلّم على أهل الأهواء، و الأولى أن يٌعتزلوا كما نقل ابن عبد البر في الإنتقاء "ص34"، حيث يقول الإمام مالك:

"" أهل الأهواْء بئس القوم هم، لا يٌسلّم عليهم و اعتزالهم أحبٌّ إليّ"" ذكره البغوي في شرح السنة"1/229" و ابن عبد البر في الإنتقاء ص34.

و يقول أيضا :

""لا تٌسلّم على أهل الأهواء و لا تٌجالسهم إلا أن تغلظ عليهم ولا يٌعاد مريضهم ولا يٌحدّث عنهم الأحاديث"" الجامع لابن أبي زيد ص 125.

و يقول أيضا:

"" لا تجوز الإجارات في شيء من كتب أهل الأهواء والبدع و التنجيم"" جامع بيان العلم و فضله لابن عبد البر القرطبي [2\66 .

فإن غلبتني؟ قال اتّبعني، قال : فإن غلبتك؟ قال : اتبعتك. قال : فإن جاءنا رجل فكلّمناه فغلبنا؟ قال : اتبعناه.

قال الإمام مالك: إنّ الله بعث محمدا بدين واحد، و أراك تنتقل،

قال عمر ابن عبد العزيز :

"" من جعل دينه عرضة للخصومة أكثر التنقل"" .

الأثر عن مالك نقله الإمام ابن عبد البر في الإنتقاء ص33. و ابن بطة في الإبانة الكبرى رقم: 562[ص 372].

📌تهوين الإمام الشافعي للكبيرة أمام البدع

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عمر الزاهد الخفاف أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الفقية حدثنا الربيع بن سليمان سمعت الشافعي رحمه الله يقول: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من أن يلقاه بشيء من الأهواء].

يعني: البدع، وهذا أخرجه الدارمي واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو مشهور عن الشافعي رحمه الله، وفي لفظ: (لأن ألقاه بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من أن ألقاه بشيء من الأهواء).

يقول الإمام الشافعي: لأن ألقى الله بكل معصية دون الشرك أسهل علي من أن ألقاه بالبدعة؛ لأن البدع أشد من المعاصي؛ لأن صاحب المعصية الكبيرة مثل الزاني والسارق وشارب الخمر والمرابي عاصٍ، وضعيف الإيمان، لكن يعلم أنه عاص ومعترف بأنها معصية فهو يرجى له أن يتوب، بخلاف صاحب البدعة، فإنه يعتقد أنه على الحق، ولا يعترف لك بأنه على الباطل.

فإذا قلت: هذه بدعة، قال: لا، بل أنت المبتدع، فلا يفكر في التوبة، فلهذا كانت البدعة أشد من الكبيرة، وهي أحب إلى الشيطان من المعصية الكبيرة، فالذي يفعل كبيرة ويشهد الزور ويعق والديه، يعلم أنه عاص ويمكن أن يتوب أو حتى يفكر في التوبة، لكن المبتدع لا يعتقد أنه عاص، بل يعتقد أنه على الحق فمن كان يفعل بدعة المولد فإذا نهيته يقول: لا هذه محبة للرسول، أنت تبغض الرسول، أنا على الحق وأنت على الباطل، ولو كنت تحب الرسول لحضرت المولد.

كما أن المبتدع لا يعترف بأنه على الباطل، بل يعتقد أنه على الحق، ويتقرب إلى الله بالبدعة، فلا يفكر في أن يتوب منها، أما صاحب الكبيرة فهو يعلم أنه على معصية، ويعتقد أنها معصية، ويفكر في التوبة منها، فلهذا كانت البدعة أشد من المعصية، ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: لأن ألقى الله بكل ذنب دون الشرك أسهل علي من أن ألقاه بالبدعة؛ لأن البدعة أشد من المعصية، وصاحب البدعة لا يتوقع أن يتوب في الغالب؛ لأنه يعتقد أنه على الحق.

هذا فيه التحذير من البدع، وقد تكون البدعة في أسماء الله، من ذلك: بدعة المعطلة التي تنفي الأسماء والصفات، وبدعة المؤولة، وبدعة الخوارج الذين يكفرون المسلمين بالمعاصي، وبدعة القدرية الذين يقولون: إن العباد خالقون لأفعالهم، وهكذا بدعة الشيعة الرافضة.